أبي منصور الماتريدي
97
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فيما تذكرون آباءكم مكان آبائكم [ فإني أنا ] « 1 » الذي أنعمت عليكم [ وعلى آبائكم ] « 2 » ، فاجعلوا ذلك لي دون آبائكم . وقوله : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . [ وقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ وقوله : أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ] « 3 » . وقوله : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . . . الآية في قوم لا يؤمنون بالبعث والإحياء بعد الموت ، [ طلبوا ] « 4 » خيرات الدنيا ، ولم يطلبوا الخيرات في الآخرة ، فأعطوا ما سألوا من حسنات الدنيا ، وهو كقوله : وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [ الشورى : 20 ] ، فأعطوا ما سألوا من نصيب ؛ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [ الشورى : 20 ] ، أي يؤتى حرث الدنيا والآخرة ، فمن كان ركونهم إلى الدنيا وميلهم إليها لم يركنوا إلى دعاء غيرها ، وأما من آمن بالبعث والإحياء بعد الموت فإنهم سألوا خيرات الدنيا والآخرة جميعا بقوله : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ، طلبوا حسنات الدنيا ؛ لأن الدنيا جعلها محل الزاد للآخرة ، لأنه جعلها لهم ، إنما خلقهم للآخرة ؛ كقوله : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [ البقرة : 197 ] . ثم اختلف في حَسَنَةً في الدنيا ، و حَسَنَةً في الآخرة : قيل « 5 » : حسنة الدنيا : العلم والعبادة ، وحسنة الآخرة : الجنة والمغفرة . وقيل « 6 » : حسنة الدنيا : النصر والرزق ، وحسنة الآخرة : الرحمة والرضوان . وكله واحد . وروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « إن لله عبادا يحيون في عافية ، ويموتون في عافية ، ويدخلون الجنة في عافية . قيل : يا رسول اللّه ، بم ؟ قال : بكثرة قولهم : رَبَّنا
--> ( 1 ) سقط في أ ، ط . ( 2 ) سقط في ط . ( 3 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 4 ) سقط في ط . ( 5 ) قاله الحسن ، أخرجه ابن جرير عنه ( 3881 ، 3882 ، 3883 ) ، وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والذهبي في فضل العلم والبيهقي في شعب الإيمان كما في الدر المنثور ( 1 / 419 ) . ( 6 ) قاله سفيان الثوري بنحوه ، أخرجه ابن جرير عنه ( 3884 ) .